
ممفيس.. عاصمة الحكم أم مقاطعة خاصة؟
بقلم خالد مراد
في كل مرحلة انتقالية تمر بها الدول، تبرز أسئلة الهوية قبل أسئلة الجغرافيا، وتتقدم الرمزية على الخرائط.
ومن هنا يثور الجدل حول المقترح الذي تقدم به النائب محمد عطية الفيومي بشأن مشروع قانون الإدارة المحلية، والمتضمن تغيير اسم العاصمة الإدارية الجديدة إلى “ممفيس”، وتحويلها إلى “مقاطعة” ذات طبيعة خاصة تكون مقر الحكم.
الاسم ليس مجرد حروف تُستبدل، بل هو سردية تُعاد صياغتها. “ممفيس” أو “منف” هو استدعاء لذاكرة الدولة المصرية في أقدم تجلياتها، حين كانت العاصمة عنوان القوة ومركز القرار ومهد الإدارة.
فهل نحن أمام محاولة لإعادة إنتاج الرمز التاريخي في ثوب معاصر؟ أم أننا بصدد تغيير إداري يتجاوز البعد الرمزي إلى إعادة تعريف شكل السلطة ذاتها؟
إن فكرة تحويل العاصمة إلى “مقاطعة” خاصة تابعة لنطاق القاهرة، مع منحها وضعًا إداريًا استثنائيًا، تعكس تصورًا لدولة تسعى إلى مركزية محكمة في قلبها السياسي.
تعيين رئيس للمقاطعة بقرار من رئيس الجمهورية، ومنحه صلاحيات المحافظ والوزراء داخل نطاقها، مع تشكيل مجلس أمناء مُعيَّن، يفتح بابًا واسعًا للنقاش: هل نحن أمام نموذج إداري أكثر انضباطًا وكفاءة؟ أم أمام تركيز غير مسبوق للسلطات في رقعة جغرافية محددة؟
ليست الفكرة بدعًا من التجارب الدولية؛ فعديد من عواصم العالم تتمتع بوضع قانوني خاص يميزها عن بقية الأقاليم. غير أن خصوصية الحالة المصرية تكمن في أن العاصمة الجديدة لم تكتفِ بنقل المؤسسات، بل تحمل طموح إعادة تشكيل مفهوم الإدارة ذاتها.
القضية إذن ليست في تغيير اسم، ولا في استحداث مسمى “مقاطعة”، بل في فلسفة الحكم التي يعكسها المشروع. هل نسعى إلى عاصمة رمزية تستدعي أمجاد الماضي، أم إلى كيان إداري مُحكم يُعيد ترتيب العلاقة بين المركز والأطراف؟
يبقى النقاش مفتوحًا تحت قبة البرلمان، لكن المؤكد أن كل خطوة في تشكيل عاصمة الحكم هي خطوة في تشكيل صورة الدولة نفسها؛ صورة يكتبها القانون، ويقرؤها التاريخ.





